ابن قيم الجوزية

224

الروح

الذي سواه بيده وهو الذي نفخ فيه من روحه ؟ قيل : هذا الموضع الذي أوجب لهذه الطائفة أن قالت بقدم الروح . وتوقف فيها آخرون ولم يفهموا مراد القرآن . فأما الروح المضافة إلى الرب فهي روح مخلوقة أضافها إلى نفسه إضافة تخصيص وتشريف كما بيناه ، وأما النفخ فقد قال تعالى في سورة مريم : الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا « 1 » وقد أخبر في موضع آخر أنه أرسل إليها الملك فنفخ في فرجها وكان النفخ مضافا إلى اللّه أمرا وإذنا وإلى الرسول مباشرة . [ تسمية المسيح روح اللّه ] يبقى هاهنا أمران : أحدهما : أن يقال : فإذا كان النفخ حصل في مريم من جهة الملك وهو الذي ينفخ الأرواح في سائر البشر ، فما وجه تسمية المسيح روح اللّه ؟ وإذا كان سائر الناس تحدث أرواحهم من هذه الروح فما خاصية المسيح ؟ الثاني : أن يقال فهل تعلق الروح بآدم كانت بواسطة نفخ هذه الروح هو الذي نفخها فيه بإذن اللّه كما نفخها في مريم ، أم الرب تعالى هو الذي نفخها بنفسه كما خلقه بيده ؟ قيل لعمر اللّه أنهما سؤالان مهمان ، فأما الأول فالجواب عنه أن الروح الذي نفخ في مريم هو الروح المضاف إلى اللّه الذي اختصه لنفسه وأضافه إليه وهو روح خاص من بين سائر الأرواح ، وليس الملك الموكل بالنفخ في بطون الحوامل من المؤمنين والكفار ، فإن اللّه سبحانه وكل بالرحم ملكا ينفخ الروح في الجنين فيكتب رزق المولود وأجله وعمله وشقاوته وسعادته . وأما هذا الروح المرسل إلى مريم فهو روح اللّه الذي اصطفاه من الأرواح لنفسه ، فكان بمنزلة الأب لسائر النوع ، فإن نفخته لما دخلت في فرجها كان ذلك بمنزلة لقاح الذكر للأنثى من غير أن يكون هناك وطء ، وأما ما اختص به آدم فإنه لم يخلق كخلقة المسيح من أم ولا كخلقه سائر النوع من أب وأم ، ولا كان الروح

--> ( 1 ) سورة الأنبياء ، الآية 21 .